أبي منصور الماتريدي

464

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

العين لا العين نفسه ولكن نفسه ؛ كأنه قال : لا تمنّين نفسك فيما متعوا هم ولا ترغبنها في ذلك ؛ فإنه ليس يوسع ذلك عليهم لخطرهم وقدرهم ؛ ولكن ليعلم أن ليس لذلك « 1 » خطر عند الله وقدر ؛ حيث أعطى من افترى [ على الله ] « 2 » وجحد نعمه وفضله . وفي الآية تفضيل « 3 » الفقر على الغنى ؛ لأنه نهى رسوله أن يمد عينيه إلى ما متعوا ، ومعلوم أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم إذا « 4 » مدّ إلى ذلك ليس يمد للدنيا ولا لشهواته ؛ ولكن يستعين به في أمر جهاد عدوه ، ويعين « 5 » به أصحابه في سبيل الخيرات ، ثم نهاه مع ذلك عنه ؛ دلّ أن الأخير والأفضل ما اختاره من الفقر ، وقصور ذات يده . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : أَزْواجاً مِنْهُمْ . أي : أصنافا من الأموال ، وألوانا من النعم . وقال بعضهم « 6 » : أَزْواجاً مِنْهُمْ : أي : الأغنياء منهم وأشباهه ؛ فإن كان قوله : أَزْواجاً مِنْهُمْ هو أصناف الأموال - فهو « 7 » على التقديم والتأخير ، كأنه قال : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا منهم أزواجا . وإن كان أزواجا منهم هو أصناف الناس فهو على النظم الذي جرى به التنزيل ؛ أي : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به قوما منهم . وفي قوله : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : إن الله لا يعطى أحدا شيئا إلا ما هو أصلح له في الدين ، ولو كان ما متع هؤلاء أصلح لهم في الدين - لم ينه رسوله عن مدّ عينيه إليه ، دلّ أنه قد يعطي ما ليس بأصلح في الدين ، وكذلك قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [ آل عمران : 178 ] أخبر أنه إنما يملى لهم ليزدادوا إثما ، وهم يقولون : يملي لهم ليزدادوا خيرا . وكذلك قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ . . . الآية [ آل عمران : 180 ] هذه الآيات كلها تنقض عليهم قولهم ، وقد ذكرنا هذا في غير موضع فيما تقدم . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ .

--> ( 1 ) في ب : ذلك . ( 2 ) في ب : عليه . ( 3 ) في أ : تفضل . ( 4 ) في أ : إن . ( 5 ) في أ : ويعني . ( 6 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 21364 ، 21365 ) وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 197 ) . ( 7 ) في أ : فهي .